x

سميتهُ عباس ... قصة الشهيد السعيد (عباس حسن شاكر) 


لم تكن تعلم أنها ستفقد بصرها تدريجياً بعد ان فقدت ولدها..

ما في عينيها من ألم يشعل فتيل الحنين الى فلذة كبدها، فتقلب كفيها أسفاً لفقده، رغم أنها وبقلبها المُحصن بالإيمان تضرعت الى بارئها ليُفرح قلبه، بعد ان بانت على وجهه سيّم الحزن لطول انتظار مبتغاه.. 

خشي ان يكون هناك ذنب يحول دون ذلك.. فأخذ يلتمس أمه راجياً ان تدعو له لينال مغفرة الله ورحمةٍ منه، وبات يراجع ما تصرمت من أيام عمره.. لم تدم حيرته طويلاً حتى تناهى لسمعه جواب أمه حين طمأنته قائلة:  

 « بني مُذ كنتَ طفلاً وإحساس يراودني انك لا تدوم لي طويلاً » لا تقلق فإن مكوثك هنا لن يطول.. هي أيام معدودة ليس إلا..

تلك الأم لطالما كانت تغبط نفسها على ما أنعم الله عليها من ولدٍ بارٍ، نجيبٍ، أبيٍّ، مقدامٍ.. أفنى حياته لخدمة والديه وتربية أطفاله، ففي الوقت الذي عاشت فيه العائلة تحت وطأة الفقر أو دون ذلك، كانت هي تتقاسم ما يقع بين يديها من نزر الطعام كي تسد جوعتهم فتجد ولدها يكتفي بشربة الماء وذلك القليل حامداً شاكراً لأنعم الله، فلم تذكر يوماً انه تأوه أو تأمرَ أو تضجر من شظف العيش بل شمرّ عن ساعديه منذ نعومة أظفاره ليعين والديه في تخطي صعاب الحياة، فعمل جاهداً ليلاً نهاراً ليساهم في تأمين إيجار دارهم.. وكم من مساءٍ عاد فيه إلى داره خالي اليدين، ليخبر أمه ان فرحته اليوم اكبر من فرحته في يوم يعود بين يديه مال..

سرعان ما بدد استغراب امه لما سمعت ذلك منه، حين اخبرها انه وهب ماله لأطفال فقدوا أباهم وادخل السرور على قلوبهم المُيتمة..

لا أحد يستطيع ان يحدد مدى تعلقها به وسببه، ألانه فلذة كبدها؟ أم لأنه أغدق عليها من البر والاهتمام ماعزّ نظيره؟ أم لأنه رفع رأسها شامخاً حين أهدى روحه فداءً لسيد الشهداء وحامل اللواء (ع)

بعد ان قاتل وقاتل.. وفي كل هجومٍ يعزموا عليه يُمني نفسه بالشهادة.. غير انها لاتدنو منه.. 

كان جلّ ما يتمناه ان يرى كرامة الشهداء وسيد الشهداء ع ..

لطالما تحدث مع امه مستفهما:

- أيهما أفضل ؟! ان يتلقاني في قبري الحسين والعباس (ع) مبشرين لي بالجنة؟ أم يتلقاني منكراً ونكيراً منذرين لي بسوء ما اقترفته من أعمالي..

 كانت مستيقنة ثبات ولدها فهي حين سمته (عباس) وهبته لمولاها العباس وسيده الحسين (ع)..

 تناهى الى سمعها كلماته المعاتبة « أولستِ تقيمين العزاء على سيد الشهداء؟  ألم ترددِ يا ليتنا كنا معكم؟ فأين إذاً كل هذا؟ وهذه فرصتنا الوحيدة لنكون من أنصار الحسين (ع) »..

استقوت روحها بصبر مولاتها زينب (ع) وتأزرت بإزار السكينة والطمأنينة لتودعه محفوفاً بدعواتها له.. ليصل بعد أيام إلى مبتغاه ويواسي مولاه ابا الفضل العباس.. 

فها هي بقايا جسده تجمع بعد أن تناثرت بانفجار قذيفة هاون، وعادوا به الى اهله.. رأته امه محمولاً على أكف الأحبة.. أرادت ان ترى كيف سيلقى إمامه، رأته بعد ان أصرّت على ذلك.. جسداً دون ساقين.. يده اليمنى وجزءاً من جانبه الأيمن تناثر هناك على قمم حمرين.. لم تصدق انه هو إلا بعد ان تفحصت ما بقي من وجهه.. هو ذاته الوجه النحيل ذو الابتسامة المنعشة للفؤاد.. وجه قرّة عينها (عباس)..

تغيير الرمز
آخر الاضافات