x

المرجعية العليا: تهنئ أبناء الديانة المسيحية بمناسبة قرب حلول العام الجديد ‏


هنأت المرجعية الدينية العليا خلال الخطبة الثانية من صلات الجمعة التي أقيمت في ‏الصحن الحسيني الشريف بامامة ممثل المرجعية العليا سماحة الشيخ عبد المهدي ‏الكربلائي ابناء الديانة المسيحية بمناسبة قرب حلول العام الجديد.‏
وقال  الكربلائي :" أن العراق وطن لجميع أبنائه على اختلاف أديانهم ومذاهبهم ‏واتجاهاتهم الفكرية، داعياً إلى تمكين الجميع من حقهم في العيش فيه بأمن وكرامة.‏
وفيما يلي النص الكامل للخطبة الثانية لصلاة الجمعة في 30/ربيع الاول/1438هـ ‏الموافق 30/12/2016م:‏
الأمر الاول: نظام الانفاق في الاسلام
قال تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا ‏أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ ‏أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11) – سورة المنافقون-.‏
وورد في الحديث الشريف: (من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له سبعمائة، ولأن أعول ‏أهل بيت من المسلمين وأشبع جوعهم وأكسو عورتهم وأكف وجوههم عن الناس أحبُّ ‏إليّ من أن أحج حجة وحجة وحجة).‏
من جملة الانظمة التي قنّنها الاسلام وشرعها لمصالح تعود للفرد والمجتمع والكيان ‏الاسلامي هو نظام الانفاق للمال فحث على البذل للمال وانفاقه ورغّب في ذلك وشوّق ‏اليه بمختلف الاساليب وحذّر من تركه والتعلق بالمال وامساكه عن النفقة..‏
ويدل على ذلك الكثير من الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة التي وردت في ذلك ‏وتناولته من جميع جوانبه كنظام متكامل يحقق الغايات والاهداف المرجوة منه.‏
وليتضح ذلك بصورة جلية لا بأس بالتعرض لعدة محاور في هذا النظام:‏
الأول: الدواعي لتشريع هذا النظام والمشاكل التي يعالجها.‏
الثاني: فضل الانفاق في الشريعة الاسلامية وبتعبير آخر المعطيات الدنيوية والاخروية ‏له.‏

الثالث: الاساليب القرانية المتعددة للحث على الانفاق وهي ثلاث:‏

‏1- الترغيب والتشويق

‏2- التأنيب على عدم الانفاق

‏3- التخويف والترهيب عن عدم الانفاق

الرابع: شروطه وآدابه

الخامس: موانع الانفاق.‏

السادس: صور الانفاق المتعددة الواجبة والمستحبة.‏
المحور الاول: دواعي التشريع:‏

‏1- ان أي مجتمع يتعرض ولأسباب متعددة الى مشكلة الفقر والفقير وهذه المشكلة لها ‏آثار خطيرة على الفرد الفقير ومجتمعه فالانسان صاحب الحاجة والمعوز والذي ليس ‏له مأوى او طعام يسد حاجاته اذا ترك من دون سد حاجاته المتعددة سيتحول الى ‏انسان يشعر بالظلم والحيف من مجتمعه فيترك ذلك آثاراً نفسية واجتماعية خطيرة ‏على حياته ويشلّه الفقر عن الانتاج والتفكير والمساهمة في بناء مجتمعه وقد يتحول ‏الى انسان مجرم يرتكب مختلف الجرائم بحق مجتمعه.‏
فوضع الاسلام نظام الانفاق المتعدد في وجوهه ليسد حاجة هؤلاء الفقراء ويعالج ‏الآثار المذكورة صيانة للفرد الفقير ولمجتمعه من تداعياتها ومخاطرها.‏
‏2- من المشكلات الاجتماعية الكبرى التي يعاني منها الانسان دوماً هي مشكلة التباين ‏الطبقي الناشئة من تكدس الثروة المالية لدى فئة قليلة وحرمان الاغلبية من ما ‏يحتاجونه من ضرورات الحياة بسبب عوزهم المالي.‏
ومثل هذه المشكلة ستقود المجتمع الى القلق والاضطراب والخوف وسوء الظن ومن ‏ثم الوقوع في العداء والصراع بين طبقات المجتمع المختلفة.‏
ولذلك وضع الاسلام نظام الانفاق ليزيل هذه الفوارق غير العادلة والناشئة من عدم ‏التوازن في توزيع المال والذي يتبعه الظلم الاجتماعي بين الطبقتين الغنية والفقيرة، ‏وليوفر للطبقة المحتاجة احتياجها الأدنى من ضرورات الحياة فيرفع بذلك الشعور ‏بالظلم لدى هذه الطبقة ويؤسس لروح الاخوة الانسانية بين الناس ويعزز روح التعاون ‏والتكافل.‏
‏3- التأسيس لنظام التكافل الاجتماعي بين عموم المجتمع وذلك لان نظام الانفاق لم ‏يقتصر على اشباع حاجات الفقراء بل ورد استحباب الانفاق في سبيل الله تعالى وهذا ‏يشمل جميع المشاريع الخيرية سواء أكانت ذات مردودات عبادية او اجتماعية كدور ‏الايتام او تعليمية كالمدارس او طبية كالمراكز الطبية المتعددة في خدماتها أم الشوارع ‏والجسور وغيرها..‏
وهذا الانفاق يجعل المجتمع كفيلا ً بالاعتماد على نفسه ولو نسبياً في تحقيق ‏الخدمات العامة له لو التزم المجتمع بهذا النظام بصورة واسعة وشاملة كما خطط له ‏الاسلام.‏
‏4- تطهير النفس من عدة رذائل نفسية واخلاقية منها البخل والشح وحب المال والتي ‏تقود الانسان الى غضب الله تعالى والهلاك في الاخرة اضافة الى آثارها الدنيوية وفي ‏المقابل فان البذل والعطاء يحققان للنفس الانسانية فضائل ممدوحة من الكرم والجود ‏والسخاء والرحمة والشفقة والاحسان ونحو ذلك والذي يقود الى رضا الله تعالى ‏واستقرار المجتمع وسعادته وتكامل النفس الانسانية.‏
‏5- اشاعة روح المحبة والتوادد والتالف والتقارب بين الناس وذلك لأن الفقير حينما ‏يرى الغني يبذل ماله لسد حاجاته وسعادته فانه سيقابله بالمودة والمحبة بعكس ما لو ‏رآه يمنع عنه حقه الذي يشعر به الفقير فإنه سيورث الكراهية والعداء وربما حتى ‏ارتكاب الجريمة بحقه.‏

‏6- تقوية القدرة الدفاعية للمجتمع الاسلامي حينما تهدده مخاطر الاعتداءات الخارجية ‏اذ الدفاع لا يستلزم فقط توفير الرجال القادرين على ذلك وتجهيزهم بالمعدات ‏والاسلحة بل لابد من توفر الاموال لدعم المقاتلين والمعركة بما تستلزمه من نفقات ‏متعددة وبالتالي يقوى المجتمع على توفير أركان الدفاع الناجحة في الحفاظ على ‏المجتمع امام مخاطر الاعداء إضافة الى ما يوفره من فرصة للمشاركة في الجهاد لمن ‏لا يتمكن ببدنه من ذلك. ‏

المحور الثاني:‏

صرحت الكثير من الايات القرانية والاحاديث الشريفة بفوائد تعود على المنفق في ‏الدنيا والبعض الآخر فيما يخص آخرته:‏
‏1- منها قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ‏سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ ‏غَفُورٌ شَكُورٌ (30) – سورة فاطر-.‏
فهؤلاء الذين ينفقون اموالهم مما رزقهم الله تعالى في السر والعلن يرجون تجارة لن ‏تبور ولا يكتب لهم فيها الخسران فان طرف المعاملة هو الله تعالى وليس هو فرداً من ‏البشر وبالتالي فان الضامن لهذه التجارة هو الله تعالى فلا خسارة فيها بل كلها ربح ‏وجزاء من ثلاثة امور:‏
‏1- يوفيهم اجورهم وهذه الكلمة تدل على عدم وجود أي نقص في الحساب.‏
‏2- ثم تتجلى الروعة في الرحمة والعطف على المنفق من قبل الله تعالى ولذلك ورد ‏في الحديث الشريف: (ما نقص مال من صدقة قط فأعطوا ولا تجبنوا) البحار ‏‏96/131.‏
‏3- في الثالثة يزيدهم الله تعالى بالمغفرة لذنوب المنفق جراء قيامه بهذا العمل الانساني ‏وتحسسه بآلام غيره الذي دفعه للإنفاق اضافة الى ذلك الشكر من الله تعالى الذي ‏يختلف عن شكر الانسان فشكره تعالى عطاء متواصل لا ينقطع وجزاء مضاعف من ‏جنة ونعيمها الدائم.‏
‏-        منها قوله تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ ‏أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ‏وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) – سورة البقرة-.‏
وفي آية اخرى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ‏فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) – سورة ‏البقرة-.‏
فتارة النماء يتضاعف ضعفين كما في الاية السابقة وتارة اخرى يتضاعف حتى يصل ‏الى سبعمائة كما صرحت به الآية الاخيرة، وكما ورد في الحديث: (من انفق في سبيل ‏الله ضعفت له نفقته الدرهم بسبعمائة، والدينار بسبعمائة).‏
بل بمقتضى قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) ان كرمه ولطفه قد يجعل ثواب ‏صدقته واحسانه اضعافاً مضاعفة اكثر من سبعمائة.‏
وفي آية اخرى تجعل الانفاق قرضاً يضاعفه الله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ‏قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً).‏
فليطمئن المنفق حيث ان انفاقه من المال هو على نحو القرض وسيضاعف الله تعالى ‏ربحه على هذا القرض بأضعاف كثيرة..‏
فماله الذي ينفقه لا يتصور المنفق انه خسره وأتلفه بإنفاقه على الفقراء بل هو يشبه ‏مصرفاً أودع فيه امواله بصورة مضمونة وسيضاعف له ارباحه اضعافاً كثيرة في ‏وقت هو بأمس الحاجة الى هذا المال.‏
الأمر الثاني:‏

اننا نعيش الايام الاخيرة للعام الميلادي 2016 ونستقبل بعد ايام عاماً جديداً، وبهذه ‏المناسبة نتقدم بالتهنئة بميلاد السيد المسيح (على نبينا وآله وعليه افضل التحية ‏والسلام) لجميع المواطنين الكرام من ابناء الديانة المسيحية ولغيرهم من مسيحيي العالم ‏آملين ان يكون عاماً سعيداً لهم وللبشرية جمعاء، يعمل فيه الجميع لتثبيت قيم المحبة ‏والتعايش السلمي المبني على رعاية الحقوق والاحترام المتبادل بين اتباع مختلف ‏الاديان والمناهج الفكرية والتجنب عن الاساءة الى رموز الاخرين ومقدساتهم التي ‏تؤدي بطبيعة الحال الى خلق بيئة مناسبة للتوتر والصراع والعنف.‏
مؤكدين في الوقت نفسه على ان العراق وطن لجميع ابنائه على اختلاف اديانهم ‏ومذاهبهم واتجاهاتهم الفكرية ومن الضروري تمكين الجميع من حقهم في العيش فيه ‏بأمن وكرامة.‏
داعين الى ان يشترك الجميع في العمل لتحقيق ما يصبوا اليه العراقيون من الاستقرار ‏السياسي والامني والاجتماعي والتقدم والازدهار.. بعيداً عن اثارة النزاعات ‏والصراعات وممارسة العنف لتحقيق مصالح سياسية او طائفية او مناطقية ضيقة.‏
وبانتهاء هذا العام يضاف عام آخر الى الاعوام التي مرت على العراقيين وهي مليئة ‏بالآلام والمآسي ولاسيما بالنسبة الى من تعرضوا للعمليات الارهابية من المدنيين ‏العزل ومن هجّروا من مدنهم وأماكن سكنهم ولا يزال يعيش الكثير منهم في الخيم في ‏ظروف قاسية جداً، كما كانت هذه الاعوام مليئة بالتحديات الكبيرة والتضحيات ‏الجسيمة ولاسيما من اعزائنا المقاتلين في جبهات المنازلة مع الارهاب الداعشي الذين ‏قدموا عشرات الالاف من الشهداء والجرحى فداءً للوطن والمقدسات، ونحن اذ نشير ‏الى ذلك ندعو مرة اخرى جميع المتمكنين مالياً ان لا ينسوا اخوانهم واخواتهم في ‏مخيمات النزوح ويوفروا لهم ما يخفف عنهم معاناتهم، كما ندعو كافة المواطنين الى ‏ان يستمروا في دعم واسناد مقاتلينا الميامين في جبهات القتال حتى تحقيق النصر ‏الكامل بإذن الله تعالى..‏

آملين ان يكون العام القادم أفضل مما سبقه ويأخذ فيه القوى السياسية العظة والعبرة ‏بما فيه الكفاية من التجارب المرّة والاليمة والسابقة ويعملوا فيه من اجل عراق مستقر ‏وآمن ومزدهر.‏

تغيير الرمز
الأكثر قراءة