x

المعركة البيضاء داخل سور الحدباء



حسن الحجاج

لعل ابرز ما يميز معركة الموصل عن اية معركة اخرى حدثت في تاريخ الحروب الحديثة انها المعركة البيضاء بل المعركة الاكثر اشراقا والانصع بياضا من اية معركة اخرى رغم انها من بين الاصعب في كافة ظروفها ، فالمعركة تجري بمدينة بلغ عدد سكانها ما يربو على المليوني نسمة عام 2014 و لم تشهد موجات نزوح كبيرة قبل او خلال الحرب مما يعني ان الاشتباكات تجري وسط مدينة كبيرة مكتظة و تصميمها بالاساس يعيق استخدام الكثير من الاسلحة فهي تتكون من مبان اسمنتية متلاسقة و لا تشتمل على فضاءات كبيرة و فوق ذلك وجود السكان يحد من استخدام الكثير من الاسلحة فيما لا يتهاون داعش اي الطرف المدافع عن مواقعه في المدينة باستخدام كافة اسلحته و حيله بدون اكتراث لعمران او إنسان.
رغم ذلك فقد قرر العراق زج قوات خاصة بمركبات خفيفة لتقتحم هذا الفلك الهائل من الشوارع التي تقسم مبان صغيرة متصافة متلاسقة في ارض ازدحمت بالاهالي و كثرت فيها المباني و قل منها الناصرون و انتشر وسط ناسها المقاتلون الداعشيون و رغم ذلك نجحت تلك القوة  بتلك المهمة المنوطة بها باسناد شيء من الدروع لمعالجة بعض الاهداف و تحصين مناطق السيطرة حيث لم تستخدم كثافتها النارية و لم تدخل بأعداد كبيرة.
عند المقارنة مع اية معركة اخرى نجد معركة الموصل الأنظف على الاطلاق حيث ان اغلب الدمار في المدينة كان نتيجة تدمير متعمد من قبل داعش خلال مدة حكمه او بسبب استخدامه المفخخات و القصف العشوائي على المناطق التي تخرج عن سيطرته.
اما لو قارنا النتيجة مع اية معركة اخرى .. مع حلب مثلا التي سُويت بالارض حتى استعادها الجيش السوري بعد اربع سنوات من المعارك المباشرة ، او مع حي الليثي في بنغازي الليبية الذي دخلته قوة الكرامة بعد عامين من الاشتباكات و هو حي واحد
مع كوتشي في فيتنام التي دكتها لسنوات قاصفات B-52 حتى لم تُبقِ فيها حجرا فوق حجر ، او قصف مدينة درسدن في المانيا اثناء الحرب العالمية الثانية وكذالك غروزني التي لم يدخلها الروس لولا الاف الغارات الفتاكة.
لكننا نجد ان جهاز مكافحة الارهاب ( الذهبية ) و فرقة الرد السريع ( الحديدية ) تمكنا من اقتحام احياء الموصل واحدا تلو الاخر من كوكجلي الى جامعة الموصل و لم يفرطا بشارع واحد استعاداه خلال المعركة التي ابتدأت منذ شهرين فقط.
عاضدتهما باقي صنوف الجيش و الشرطة و الحشد حينما حرروا ضواحي المدينة و فرضوا طوقا حولها بشكل سريع بالغ الدقة و مع المحافظة على المدن المستعادة.
معركة بيضاء لدرجة عودة 13 الف شخص تركوا منازلهم في مناطق الاشتباك رغم ان الحرب لا تزال جذوتها متقدة في المدينة على بعد شارعين او ثلاثة ، معركة بيضاء لدرجة عودة المدارس للتدريس بعد تحرير المناطق باسابيع.
زيارة سريعة لحمام العليل احد ضواحي الموصل والقريبة جدا منها تجعلك تنسى ان هنالك حربا ضروس دارت رحاها هنا قبل شهرين فالمدارس استعادت طلابها و الاسواق تغص بمتبضعيها و الشوارع بروادها رغم الانتشار العسكري فيها.
اود فقط ان اشكر كافة اخواننا .. لأنهم لم يكتبوا في سفر بلادنا انتصارهم و كيف جل الارض فخورة بهم.
لكنهم ايضا وضعوا شواخص عالية رفعوا عليها معاني انسانيتهم و اخلاقهم و طيبتهم ليدخلوا بها موسوعة التاريخ كمقاتلين ادوا انظف و اشرف عملية تحرير مدينة بالعالم لأنهم استعانوا بشجاعتهم النابعة من اخلاقهم فقط .. و فقط ، فهم لم يستعينوا بنشوة حرب منبعها الثأر او الضغينة.
درس للعالم اجمه لم نلقه لكننا رسمناه بالاعمال التي تعجز عندها الاقوال.

تغيير الرمز